*بقلم فراس زعيتر*
في دولةٍ يفترض أنّ دستورها يساوي بين أبنائها، وأن تكون دماء اللبنانيين وأرزاقهم ومنازلهم متساوية في القيمة والكرامة، يخرج قرار التعويض السريع لسكان عين سعادة ليطرح سؤالاً خطيراً: هل ما زالت السلطة تتعامل مع اللبنانيين كمواطنين متساوين، أم وفق الهوية السياسية والطائفية والجغرافية؟
ليس الاعتراض على تعويض المتضرّرين في عين سعادة، فهذا حق طبيعي ومشروع. الاعتراض الحقيقي هو على الانتقائية الفاضحة حين تتحرك السلطة بسرعة لتعويض عشرات الشقق هنا، فيما تجاهلت أو ماطلت تجاه مئات آلاف العائلات التي هجّرتها الحرب نفسها من بيروت والجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية لبيروت.
والأخطر أنّ إعلان قرار التعويض وبدل الإيواء لم يصدر عبر تسريبات أو مصادر مجهولة، بل أعلنه النائب في البرلمان اللبناني إبراهيم كنعان بنفسه وعلى الهواء مباشرة، شارحاً تفاصيل اتصالاته مع نواف سلام، وما تبعها من كشف فني وقرار رسمي بتقدير التعويضات وبدلات الإيواء.
أيّ أنّ المسألة ليست التباساً إعلامياً أو اجتهاداً سياسياً، بل إعلان واضح عن قرار اتخذته الدولة اللبنانية عبر مؤسساتها الرسمية.
وقد يحاول البعض تبرير هذا التفاوت بالقول إنّ الجنوب والبقاع والضاحية لا تزال تتعرّض للاعتداءات، وبالتالي لا يمكن إطلاق خطط تعويض شاملة حالياً.
حسناً، ماذا عن الأشهر الطويلة التي تلت عدوان 2024؟ ماذا عن فترة وقف إطلاق النار السابقة التي امتدت قرابة خمسة عشر شهراً؟ أين كانت خطط بدل الإيواء خلالها؟ وأين كانت التعويضات الطارئة لعشرات آلاف العائلات التي دفعت من جيوبها بدل النزوح والإيجارات؟
قد يُفهم تأجيل الإعمار الشامل بسبب الظروف الأمنية، لكن ما الذي منع الدولة من إقرار بدل إيواء وطني موحّد للمتضرّرين؟
وهل بات المطلوب من الناس اعتبار وجبة طعام أو بعض المواد الغذائية إنجازاً وطنياً، فيما تُنجز في مناطق أخرى الكشوفات الفنية وتُرصد بدلات الإيواء والتعويضات بالدولار الأميركي بسرعة لافتة؟
المشكلة ليست في مساعدة عين سعادة، بل في سقوط معيار المساواة.
لبنان، بحسب الدستور، دولة واحدة على مساحة 10452 كلم²، والمادة السابعة واضحة: “كلّ اللبنانيين سواء لدى القانون، وهم يتمتعون بالسواء بالحقوق المدنية والسياسية”.
فأين هذه المساواة عندما يصبح التعويض السريع متاحاً لفئة، فيما تُترك فئات أخرى لمواجهة النزوح والدمار وحدها؟
إذا كانت الدولة تعتبر نفسها مسؤولة عن بدل الإيواء لسكان مشروع تضرّر فيه 48 منزلاً، فكيف تبرّر غياب خطة وطنية شاملة لمئات آلاف النازحين من المناطق الحدودية والضاحية والبقاع؟ وهل تُقاس قيمة المواطن في لبنان وفق حقوقه الدستورية أم وفق موقعه السياسي والطائفي؟
الدول الحقيقية لا تدير الكوارث بمنطق “أهل هذه المنطقة يستحقون فوراً، وأهل تلك المنطقة ينتظرون”. الدولة تُقاس بعدالة استجابتها لجميع مواطنيها، لا بسرعة استجابتها لفئة دون أخرى.
نحن في وطن واحد، وعندما يقع الدمار يجب أن تكون كلّ المناطق اللبنانية متساوية في القرار كما هي متساوية في الألم والخسارة. فإما أن تشمل قرارات التعويض وبدل الإيواء الجميع وفق معايير وطنية واضحة، أو ينتظر الجميع…
أما أن تتحوّل الدولة إلى سلطة تستجيب بسرعة هنا وتتثاقل هناك، فهذا أمر يمسّ جوهر معنى الدولة نفسها، ويضرب ما تبقى من ثقة اللبنانيين بفكرة العدالة الوطنية…!





